عرض مشاركة واحدة
قديم 03-07-2013, 09:09 PM
المشاركة 2
فيصل عبد العزيز
من آل منابر ثقافية
  • غير موجود
افتراضي


أولا القصيدة:
............
يا ليتَ ما بضلوعي يَغْتدي حَجَرا
وليتَهُ مَا هَوى يوْماً ولا شَعَرا

ولا تَعلّقَ في أشْياءَ إنْ ذُكِرَتْ
تَحَدَّرَ الدَّمْعُ مِن تذْكَارِها وَجَرى

وليْتَ مَن عَشِقَتْ رُوحي أحَسَّ بِما
ألقَاهُ مِن ألَمٍ في بُعْدِهِ وَدَرى

وليْتَ أيَّامَنا في الصَّفْوِ ما ذَهَبتْ
فقدْ غدَتْ بَعْدَها أيَّامُنا كَدَرا

وليْتَ رَوْضَ الصِّيا لازالَ مرْتعَنا
وليْتَنا بَعْدَهُ لمْ نَعْرف الكِبَرا

وليْتَ أنوارَ هذا الشَّيْبِ ما سَطَعَتْ
فإنَّما هُوَ نَارٌ تَأكُلُ العُمُرا

وليْتَ تَمْلِكُ مِن دهْري أعِنَّتَهُ
كَفّي لأذْهِبَ عَنْهُ الكِبْرَ والصَّعَرا

حتَّى أكَفْكِفَ مِن غَلوائِهِ وأرَى
بأنَّهُ كَفَّ عنَّا الشرَّ والضَّرَرا

أوّاهِ مِن زَمَنٍ وَلّى وكانَ لنا
غُصناً نُرتِّلُ فيهِ لِلهَوى سُوَرا

أحْلى مِن الشَّهْدِ إنْ ذُقْنا حَلاوتَهُ
رحْنا نَشاوى كمَن بالرَّاحِ قدْ سَكِرا

كأنَّما هُوَ مِن لهْوٍ ومِن مُتَعٍ
حُلمٌ على جفْنِ مَن بالوَعْدِ قدْ ظَفِرا

كأنَّنا الطّيْرُ يَشْدو مِن سَعادتِهِ
لحْنَ الغَرامِ على أفْنانِهِ سَحَرا

كُنّا نُحَلّقُ في دُنيا يُزَيّنُها
كَفُّ الجَمالِ بثوْبٍ يَخْلبُ البَصَرا

هَل الليالي التي وَلّتْ تَعودُ لنا
وهَل يَعودُ لنا الماضي الذي عَبَرا

أيَّامَ لا الشَّوْقُ بالنيرانِ يَحْرقُنا
ولا الحَنينُ يَهيجُ الوَجْدَ والذِّكَرا
العاب بنات العاب سيارات العاب ذكاء العاب طبخ العاب باربي العاب طبخ العاب ذكاء 2013 العاب بن تن العاب ذكاء شات حسايف دردشة مصرية

أيَّامَ كُنَّا كما شَاء الهَوى مرَحاً
نَقْضي مِن الحُبِّ في ظِلِّ الرُّؤَى الوَطَرا

يا مَن أفَتِّحُ عيْني في الصَّباحِ على
أطْيافِهِ وعَليْها أغْلِقُ البَصَرا

هلْ مِن سَبيلٍ إلى رُؤياك يُوصلُني
إنّي أعيشُ على الآمالِ مُنْتَظِرا

وهلْ تَجودُ الليالي بالوِصَالِ فقَدْ
أصْبَحْتُ أخْشى الرَّدى باليَأسِ مُنْتَحِرا

يا دهْرُ جُدْ مَرَّةً في العُمْرِ لوْ خَطأً
وهَبْ سَبيلا لما نَرْجوهُ مختصرا

لوْ كنتَ أنتَ مَعي والنَّاسُ غائِبةٌ
عَنّي لمَا ضَرّْني مَن غابَ أوْ هَجَرا

إنْ كنتَ حوْلي فَكلُّ النَّاسِ حاضِرةٌ
حوْلي وإنْ غِبتَ لمْ أشْعُرْ بمَن حَضَرا

وكلُّ أرضٍ بِعيْني إذْ تكونُ مَعي
فيها فتلكَ جِنانٌ تَسْحرُ النَّظَرا

لوْ كانَ في جَنَّةِ الفِرْدوْسِ ليْ نُزُلٌ
ولمْ أجِدْكَ بِها أبْصَرْتُها سَقَرا

في الصَّدْرِ قلبٌ غدا مِن شَوقِهِ لهَباً
هذي الدُّموعُ لهُ قدْ أصْبَحتْ شَرَرا

إنْ ثارَ لمْ أدْرِ هلْ بيْنَ الضُّلوعِ دَمٌ
أمْ أنَّ ما بيْنَها جمْرٌ قد اسْتَعرا

العَيْنُ بَعْدَ حَبيبِ القَلبِ ما عَرفَتْ
إلا الدُّموعَ وإلا الحُزْنَ والسَّهَرا

كأنَّها راهِبٌ والنَّوْمُ مَعْصِيَةٌ
تَمْضي عَليْها الليالي لا تَذوقُ كَرى

إنْ لُمْتُ غيْري فما لوْمي بمَوْضعِهِ
ألسْتُ مَن عزَمَ التِّرْحالَ والسَّفَرا

أطَعْتُ نفْساً جَموحاً لا مَطامعُها
تفْنى ولا تَعْرفُ الإقْصارَ والحَذَرا

لاشيءَ تحْويهِ يُرْضيها ولوْ حُسِدَتْ
فيهِ تَمُدُّ إلى أقْصى المُنى النَّظَرا

ولا تَباتُ على ذُلٍّ وغايَتُها
نيْلُ العُلا وتَعافُ المَشْرِبَ الكَدِرا

تَرَكْتُ أهْلي وأحْبابي إلى بَلَدٍ
فيهِ تَدَفَّقَ نهْرُ المالِ مُنْفَجِرا

وقالت النَّفْسَ عَمَّن غابَ لِي عوَضٌ
في المالِ فالمالُ دِرْعٌ يَدْفعُ الخَطرا

والمالُ سَيْفُ الفتى إنْ سَلّهُ خَضَعتْ
لهُ الرِّقابُ ولبَّتْ كُلَّ ما أمَرا

والمالُ أفْصحُ قوْلٍ كُلّما تُلِيَتْ
آياتُهُ أعْلنَ الإيمانَ مَن كَفَرا

والمالُ أفْصحُ مبْعوثٍ إلى غَرَضٍ
ما عادَ إنْ راحَ إلا عادَ مُنْتَصِرا

والمالُ كالكَوْكبِ الدُّريِّ إنْ لمَعَتْ
أنْوارُهُ كَشفَتْ ما كانَ مُسْتَتِرا

والمالُ كالماءِ يُحْيي الأرضَ مَيِّتَةً
ويُخْرجُ الزَّرْعَ والأشْجارَ والثَّمَرا

وقُلتُ للنَّفْسِ في سِرّي أخاطِبُها
يا نَفْسُ ويْحَكِ وهْمٌ كلُّ ما ذُكِرا

إنَّ السَّعادةَ في قلبٍ يَموجُ رُؤَىً
الحُبُّ ظلَّلهُ والنُّورُ فيهِ سَرى

الأمْنُ يَسْكنُهُ والحلْمُ يَغْمُرُهُ
والخيْرُ فاضَ على أرْجائِهِ وجَرى

إنَّ السَّعادةَ في قُرْبِ الحَبيبِ وهلْ
زَهْرٌ يَرِفُّ إذا لمْ يرْشِف المَطَرا

ليْسَ السَّعادةُ في الأمْوالِ نَجْمعُها
ونُنْفقُ العُمْرَ في آثارِها هَدَرا

كمْ مِن غَنيٍّ تَمنَّى أنْ يُحِسَّ بها
ولوْ غَدا مُعْدَماً لِلمالِ مُفْتَقِرا

وكمْ أحَسَّ بها مَن ليْسَ يَمْلكُ في
يَدَيْهِ إلا الهَوى والحلْمَ والكِسَرا

كمْ مِن فَقيرٍ سَعيدٌ رغْمَ فاقتِهِ
وكمْ غَنيٍّ بِطيبِ العيْشِ ما شَعَرا

إنَّ السَّعادةَ في ظِلِّ الحَبيبِ فإنْ
وَلّى تَوَلتْ فلمْ نَلحَظْ لها أثَرا
ثانيا : التحليل الأدبي
جو النص:

يقول شاعرنا: يظن كثير من الناس أن السعادة في المال أو الجاه أو الشهرة أو غير ذلك من زخرف الدنيا وهذه القصيدة قد تجيب على سؤال أين السعادة؟.
ويقول مرة أخرى: أحبتي وأصدقائي الأبيات هي من قصيدة السعادة وهي إحدى قصائد ديواني في هيكل الأشواق الصادر عام 2007 بدعم وزارة الثقافة الأردنية والحائز على جائزة سعيد فياض اللبنانية عام 2007 أرجو قراءتها من القصيدة مع فيض الاحترام لكم جميعا.
وأرى أن شاعرنا سعيدا شاعرا مرهف الأحاسيس، يعيش في بلد فيه الفقير وفيه الغني، فيه من ورث المال وشمخت نفسه، وفيه من تواضع، وفيه الفقير_ كشاعرنا- الذي سلبت أرض آبائه وأجداده وطاف في الشتات بحثا عن ستر الحال ولقمة العيش الكريمة، فمنهم من أبدع في علمه وأجاد ولم تسعفه الظروف أو قل لم يسلك مسلك من أتخم بالمال، فزهد بالقيم الأصيلة والمبادئ الرفيعة، فهو يخاطب نفسه كي لا تشطح به، يطلب الرضا النفسي، بمتطلبات السعادة التي لا يفسدها المال، ومنهم من أصبح غنيا وتناسى الأهل والخلان، وتخلى عن أبسط القيم.
الأفكار الرئيسة:
1.يرى الشاعر أن السعادة مكانها القلوب الصافية المليئة بالمحبة البعيدة عن الجشع.
2.ترتبط السعادة بأيام الصبا، حيث تخلو النفوس من الكبر وحب الجاه.
3.يضيق الشاعر ذرعا من نفوس أهل الكبر والتكبر، وهذه النفوس مجبولة على حبها للشر؛ فهي خلو من السعادة.
4.يرى الشاعر أن الماضي أحلى ففيه تتجلى معاني الحب، بينما الحياة المعاصرة شاعت فيها معاني العنفوان والخيلاء وحب المال والجاه، وكأن القيم عند الناس قد تبدلت وتغيرت، فيتمنى عودة الماضي فهو أحلى وأجمل.
5.يشكو الشاعر الحياة الرتيبة وما فيها من مر اليأس، كما يشكو الشيب والكبر.
6.يتذمر الشاعر من فقده للوطن والأحبة.
7. يتمنى الشاعر عودة أيام الود والصفاء بينه وبين المحبوبة في أبيات أعتبرها تصل مرتبة الشعراء العذريين في التمني واللهفة والشوق والتحسر واليأس.
8.يظهر الشاعر طموحه وتطلع نفسه إلى الأماني والمعالي، ونفوره من حياة الكدر والذل.
9. يدور صراع بين الشاعر ونفسه حول حب المال؛ فنفسه تزين له حب المال، فهو درع للإنسان، يحميه من الأخطار المحدقة، وفيه العزة والمنعة والجاه، يلبي الرغبات والحاجات، ويحيي الأرض الموات، وصنع الأتباع، لكن الشاعر يحاول جاهدا أن يثني نفسه عن حبها للمال، ويرى أن المال همّ لصاحبه، يزرع في نفسه الجبن والخور والبخل والخيانة والغدر، ويبعد صاحبه عن المبدأ والعقيدة والشرف، ويولد في النفس البطر والدعة والترف والغرور والكبر والشر والاستعباد والخداع وعدم الإقدام.
10. السعادة تولد في نفس صاحبها الحب والمحبة والأمن والسكينة والخير والأحلام العذبة.
11. يفرق الشاعر بين أحاسيس كل من الغني والفقير: فالغني يتمنى السعادة حتى ولو أصبح فقيرا، فهو يفتقد لحلاوة العيش ولذته، والفقير ينعم بالسعادة وتخيم عليه أجواء المحبة والحب رغم الحاجة والعوز.
العاطفة :
يصدر الشاعر في أفكاره ومعانيه عن تجربة صادقة، وعاطفة قوية، فلا ريب في ذلك، فلقد عايش الفقير والغني واطلع على مكنونات ونفسيات ومعاملات كل،لامس السعادة ولذاتها بنفسه منذ نعومة أظفاره ، فانعكست ذلك على أحاسيسه ووجدانه، وقد غلبت على المقطوعة نزعة الرفض للواقع المر والمتمثل في حب الناس للغنى والغني والجاه والسلطان، وارتأى أن المال يعمي ويصم، ويحرف المرء عن فطرته، ويولد الغدر والخيانة والابتعاد عن الدين والمبدأ، كما أنه يبعد صاحبه عن الحشمة والعفة والرزانة فارتفع صوته رافضا هذا الواقع المزري، وأخذ يتغنى بالسعادة ولذاتها ونشوتها في الروح، وخلقها للحب والمحبة في الوجدان، وأهم العواطف التي نلحظها في النص ما يلي:
أ.عاطفة التحسر على الأيام الخوالي وما فيها من جمال، وخلوها من رهق المال والجاه وفيها الحبيبة والليالي العذبة.
ب‌. عاطفة الحنين لأيام الصبا وما فيها من معاني السعادة والهناء.
ج‌. عاطفة تبرم الشاعر من الشيب والكِبَر والكِبْر والتكبر المرتبط بالغنى والجاه والخالي من كل أثر للسعادة.
د‌. توجع الشاعر من انقضاء أيام الصبا وما فيها من معاني نشوة السعادة من سرور وحبور ولهو ومتعة وجمال وحب.
ه‌. اعتزاز الشاعر بنفسه الأبية وتطلعها للرفعة والمعالي.
و‌. كره الشاعر للغنى الذي يولد في نفس صاحبه معاني الخيانة والغدر وحب السيطرة والجاه والتغاضي عن العفة والابتعاد عن الدين والمبدأ والعقيدة.
ز. حب الشاعر للسعادة وما تولده من حب ومحبة ونشوة وراحة بال رغم الحاجة والفقر والعوز.

الخصائص الأسلوبية :
أولا: التصوير الفني

1.التشبيهات
أ‌.التشبيه المفرد :
(فإنَّما هُوَ نَارٌ تَأكُلُ العُمُرا): شبه الشيب بالنار، تشب بليغ.
(أوّاهِ مِن زَمَنٍ وَلّى وكانَ لنا = غُصناً نُرتِّلُ فيهِ لِلهَوى سُوَرا)
شبه الزمن بالغصن، تشبيه بليغ.
(والمالُ سَيْفُ الفتى إنْ سَلّهُ خَضَعتْ) تشبيه بليغ.
(كأنَّنا الطّيْرُ يَشْدو مِن سَعادتِهِ):تشبيه مرسل مجمل.
(كأنَّما هُوَ مِن لهْوٍ ومِن مُتَعٍ = حُلمٌ على جفْنِ مَن بالوَعْدِ قدْ ظَفِرا)
تشبيه مرسل مجمل، ومثله: (والمالُ كالماءِ يُحْيي الأرضَ مَيِّتَةً).ومثله:
العَيْنُ بَعْدَ حَبيبِ القَلبِ ما عَرفَتْ = إلا الدُّموعَ وإلا الحُزْنَ والسَّهَرا
كأنَّها راهِبٌ والنَّوْمُ مَعْصِيَةٌ
ومن التشبيه المرسل المجمل، قوله: (والمالُ كالكَوْكبِ الدُّريِّ إنْ لمَعَتْ)
ب‌. تشبيه التمثيل
(رحْنا نَشاوى كمَن بالرَّاحِ قدْ سَكِرا):شبه صورة ما يفعله الشعر العذب في نفس الشاعر وصحبه من سرور، بصورة ما يفعله الخمر في روح شاربه من نشوى.
وكلُّ أرضٍ بِعيْني إذْ تكونُ مَعي = فيها فتلكَ جِنانٌ تَسْحرُ النَّظَرا
شبه الشاعر نفسه والمحبوبة ترافقه بصورة الجنائن العذبة والجمال يرافقها.
2.الاستعارات
أ. ومن الاستعارات المكنية ما يلي:
(وليْتَ تَمْلِكُ مِن دهْري أعِنَّتَهُ):شبه الدهر بحصان له عنان(لجام)
(وليْتَ رَوْضَ الصِّبا لازالَ مرْتعَنا): شبه الشاعر الصبا ببستان.
(وليْتَ أنوارَ هذا الشَّيْبِ ما سَطَعَتْ): شبه الشاعر الشيب بالأزهار.
(كَفُّ الجَمالِ): شبه الجمال بإنسان له كف.
(أيَّامَ كُنَّا كما شَاء الهَوى مرَحاً): شبه الهوى بإنسان يأمر ويفعل ويشاء.
(نَقْضي مِن الحُبِّ في ظِلِّ الرُّؤَى الوَطَرا): وشبه الرؤى بشجرة لها ظل.
وكذلك في:
يا دهْرُ جُدْ مَرَّةً في العُمْرِ لوْ خَطأً = وهَبْ سَبيلا لما نَرْجوهُ مختصرا
حيث شبه الدهر بكريم يجد ويهب.
وفي قوله:
ضَللْتِ يا نفْسُ في ما قُلتِ فاسْتَمِعي = لِما سَيكْشفُ عن عيْنَيْكِ ما سُتِرا
فقد شبه النفس بإنسان له عينين،أو هو مجاز مرسل علاقته السبيية.
(كأنَّ رُقْيَتَهُ في نفْسِهِ فعَلتْ): شبه الرقية بإنسان يفعل ويؤثر.
(أحْجارُهُ تُخْجلُ الياقوتَ والدُّرَرا): شبه الياقوت والدرر بإنسان يخجل.
ب. الاستعارة التصريحية:
(يا ليتَ ما بضلوعي يَغْتدي حَجَرا) فقد شبه الشاعر أحاسيسه بالحجر.
(ويُنْبتُ الحِرْصَ والإحْجامَ والحذرا) شبه ما يصنعه المال في النفس بالإنبات.
(وبعْضُهمْ باعَ كي يحْظى بهِ وَطناً) شبه خيانة الدين والمبدأ بسلعة تُباع.
(إنَّ السَّعادةَ في قلبٍ يَموجُ رُؤَىً): شبه الشاعر تداعي الأفكار بتحرك الموج، استعارة تصريحية.
إنَّ السَّعادةَ في قُرْبِ الحَبيبِ وهلْ = زَهْرٌ يَرِفُّ إذا لمْ يرْشِف المَطَرا
شبه الشاعر تغذي الزهر على الماء بالرشف، استعارة تصريحية.
3. الكنايات:
(نُرتِّلُ فيهِ لِلهَوى سُوَرا): كناية عن الشعر العذب .
(يا ليتَ ما بضلوعي) :كناية عن القلب.
(وليْتَ مَن عَشِقَتْ رُوحي) : كناية عن الحبيبة.
(كأنَّما هُوَ مِن لهْوٍ ومِن مُتَعٍ = حُلمٌ على جفْنِ مَن بالوَعْدِ قدْ ظَفِرا)
كناية عن الفوز بالسعادة والنشوى.
(أيَّامَ لا الشَّوْقُ بالنيرانِ يَحْرقُنا): كناية عن لوعة المشتاق.
ولمْ يُوارِ لهُ عُرْياً ولا يَدُهُ = أخْفتْ لهُ سَوْءةً لمَّا بها ظَهَرا
كناية عن الفضيحة.
ولا تَباتُ على ذُلٍّ وغايَتُها = نيْلُ العُلا وتَعافُ المَشْرِبَ الكَدِرا
كناية عن كره الشاعر للذل والمسلك الرذيل.
4. المجاز المرسل
(وليْتَ أيَّامَنا في الصَّفْوِ ما ذَهَبتْ)
ذكر الشاعر الأيام وأراد ما يجري بها من أحداث،. مجاز عقلي علاقته الزمانية .
(أوّاهِ مِن زَمَنٍ وَلّى وكانَ لنا = غُصناً نُرتِّلُ فيهِ لِلهَوى سُوَرا)
فقد أسند الترتيل إلى الضمير العائد على الزمن، مجاز عقلي علاقته الزمانية.
(إنَّ السَّعادةَ في قلبٍ يَموجُ رُؤَىً): ذكر الشاعر القلب"الجزء، وأراد به شخصه"الكل" مجاز مرسل علاقته الجزئية.
(الحُبُّ ظلَّلهُ والنُّورُ فيهِ سَرى): لقد أسند الشاعر الظل إلى ضمير القلب، وليس للقلب، مجاز عقلي علاقته المكانية.

ثانيا:التعبير (اللغة والأساليب)
العنوان:
المعني اللغوي للسعادة: كما جاء في لسان العرب لابن منظور "السعادة" مشتقة من فعل "سعد " أي فرح واستبشر، والسعادة هي اليمن وهي نقيض النحس والشقاوة، والسعادة في مفهومها العام الرضا النفسي في الحياة مقرونة بالقناعة،
والسعادة لا تعني كثرة المال، ويمكن أن تصنع السعادة بالقليل من الرضا، إن المال شيء , والسعادة شيء آخر, ولذلك فإن كثرة المال لا تعني أبداً كثرة السعادة, بل إن المال ربما يسبب التعاسة لصاحبه, فحينما يُصبح هدفاً, ويتجاوز عن الحاجة, يفقد قيمته, حيث يستعبد صاحبه بدل أن يُحرّره.
وهناك حذف في العنوان، والتقدير:" هذه السعادة" حيث حذف المبتدأ، وهو عنصر أساس، وفي العنوان إيجاز بالحذف.
2. الألفاظ والتراكيب
أ‌. تمكن الشاعر من نقل تجربته والتعبير عن فلسفته في الحياة بألفاظ سهلة تخلو من الغموض والتعقيد، وقد جاءت الألفاظ مناسبة وملائمة للموقف ومتناسقة مع الإحساس، فعندما خاطب النفس وأراد تكريهها في حبها للمال ، جاء بصور وتراكيب دالة على ذلك، فاستخدم الألفاظ والتراكيب المنفِّرة، كما في مثل:(خان، باع، سوق الخنا، تخجل، صرعى جرائمه، حنى هامته، مكر، حسد، شرور، الجبن، الخور، الهمّ...) كما نلحظ ذلك في الأبيات في نحو:
يا نفْسُ ويحَكِ إنَّ المالَ مَجْلبَةٌ = لِلهَمِّ يزْرعُ فينا الجُبْنَ والخَوَرا
مِن أجْلِهِ خانَ بعْضُ النَّاسِ مَبْدَأهُ = وباعَ ما باعَ في سوقِ الخنا وشَرى
وبعْضُهمْ باعَ كي يحْظى بهِ وَطناً = أحْجارُهُ تُخْجلُ الياقوتَ والدُّرَرا
وكمْ فَتى باتَ مِن صَرْعى جَرائِمِهِ = وسيرَةٍ حينَ تُرْوى تُخْجلُ السِّيَرا
وكمْ فَتى قدْ حَنى لِلمالِ هامَتَه = ُ وكانَ يَرْفعُها لِلشّمْسِ مُفْتَخرا
لوْلاهُ عِشْنا بلا مَكْرٍ ولا حَسَدٍ = ولا عَرَفْنا شُروراً تُنْطِقُ الحَجَرا
ومثلها كثير، وعندما نقل لنا أحاسيس النفس وحبها للمال، أورد تراكيب دالة على تعلق النفس بالمال وحبها له، في مثل:
وقالت النَّفْسَ عَمَّن غابَ لِي عوَضٌ= في المالِ فالمالُ دِرْعٌ يَدْفعُ الخَطرا
والمالُ سَيْفُ الفتى إنْ سَلّهُ خَضَعتْ = لهُ الرِّقابُ ولبَّتْ كُلَّ ما أمَرا
والمالُ أفْصحُ قوْلٍ كُلّما تُلِيَتْ = آياتُهُ أعْلنَ الإيمانَ مَن كَفَرا
والمالُ أفْصحُ مبْعوثٍ إلى غَرَضٍ = ما عادَ إنْ راحَ إلا عادَ مُنْتَصِرا
والمالُ كالكَوْكبِ الدُّريِّ إنْ لمَعَتْ = أنْوارُهُ كَشفَتْ ما كانَ مُسْتَتِرا
ومثلها كثير، وعندما تحدث عن الماضي وما فيه من ذكريات عذبة استخدم ألفاظ التمني والألفاظ الدالة على الحب والنشوة والحبور والتحسر على ذلك الزمن، فنحن كأننا أمام لوحة فنية من صور العشق العذري وما فيه من ألم ومكابدة وتمني وشوق واشتياق ولوعة وحرقة، كقوله:
العَيْنُ بَعْدَ حَبيبِ القَلبِ ما عَرفَتْ = إلا الدُّموعَ وإلا الحُزْنَ والسَّهَرا
كأنَّها راهِبٌ والنَّوْمُ مَعْصِيَةٌ = تَمْضي عَليْها الليالي لا تَذوقُ كَرى
ب. استهل الشاعر قصيدته بالغزل والتمني واللوعة، وهذه آصرة وجدانية بين المبدع والمتلقي، من حيث أنها ضرب من التقاليد الفنية في بناء القصيدة العربية القديمة، فالشكوى والحنين والتحسر ولوعة الشاعر بالمحبوب في المنظور الفني ما هي إلا حذق من الشاعر ورغبة منه في جذب المتلقي والعزف على أوتار قلبه ليحسن ويتابع الإصغاء، تماما كما فسره ابن قتيبة.
ج. جاءت تراكيبه متناغمة بعضها مع بعض ، قوية متينة موحية ، فيها الرمز الجزئي تعبرا عن رفضه للواقع، فاستخدم أسلوب الانزياح أو"الاتساع" ويرى بعض النقاد الأسلوبيين أن الانحراف من أهم الظواهر التي يمتاز بها الأسلوب الشعري عن غيره، لأنه عنصر يميز اللغة الشعرية، ويمنحها خصوصيتها وتوهجها وألقها، ويجعلها لغة خاصة تختلف عن اللغة العادية، وذلك بما للانحراف من تأثير جمالي، وبعد إيحائي، وقد يظن البعض إن الانزياح يمس التعابير والتراكيب فقط بل إنه يتعداها حتى في الصور والأفكار والمعاني والأكثر من ذلك حتى على مستوى الحروف فما بالنا بالمستويات التي تطرأ على العبارات والتراكيب النحوية، وقد بينا الصور والتراكيب المجازية والاستعارات والتشبيهات، ومن صور الحذف قول الشاعر:
مِن أجْلِهِ خانَ بعْضُ النَّاسِ مَبْدَأهُ = وباعَ ما باعَ في سوقِ الخنا وشَرى
واستخدامه أسلوب الالتفات ، كما في نحو:
لوْ كنتَ أنتَ مَعي والنَّاسُ غائِبةٌ = عَنّي لمَا ضَرّْني مَن غابَ أوْ هَجَرا
د. وقد استخدم الشاعر مفردات الفعل المضارع، وهي تقارب أربعة وسبعين فعلا لما فيها من استمرارية، استمرارية المأساة، وتحسره على الماضي الذي انقضى بلا رجعة وما فيه من سعادة، وتعبيره عن القلق والرفض والتمرد على أحلام النفس بتزيينها للمال والغنى، و برغبة الشاعر الملحة في تجاوز المأساة، وفيه تأكيد على موقفه من حبه للسعادة، ورفضه لأماني النفس، كما في مثل: تعود ،يعود، تُخجل الذي تكرر مرتين، يغتدي، نعرف، تأكل، يملك،أذهب، أكفكف، أرى، نُحلِّق، ترتل، يشدو.... .
كما استخدم الشاعر مفردات الفعل الماضي وتزيد عن الستة وسبعين فعلا ؛ليفيد السرد في نحو:
ولّى التي كررها ثلاثة مرات ليدلل على الانتهاء والانقطاع، ومثلها في نفس المعنى( رحنا،ذهب، تولّت، غاب-تكرر مرتين-، غبت، ما عاد، عاد-تكرر مرتين-، راح، رحنا، تركت ، هجر) ومن الأفعال الماضية الأخرى: هوى ، شعر، تعلّق، تحدّر، ذُكر،عشق، أحسّ، درى، غدت، سطعت، ظفر، شاء، أصبحت، ضرّني، حضر، أبصرتها، ثار، استعر، عرفت، لمت،عزم، حُسدت، قالت، قلت، ما قلت، سل، تدفّق، خضعت، لبّت، أمر، تُليت، أعلن، لمعت، كشفت،، ذُكرا، ضللت، ستر، خان، باع وتكررت مرتين، ما باع، شرى أخفت ظهرا، سحر، غدر، بات، طغى، فاضت، أنكر، حنى، عشنا، سرى، لاح، فاض، جرى، تمنى، غدا، أحسّ، ما شعر...
ه. استخدم الشاعر(ليت) ثماني مرات ليؤكد تحسره على أيام الأحبة والشباب، كما استخدم (كم) الخبرية سبع مرات في محاولته ثني نفسه عن حبها للمال ونظم دقات وقعها ووقف جموحها في الركض وراءه، مما يدلل على أن هناك صراع في نفس الشاعر بين التطلع للغنى أو الاكتفاء بالسعادة والقناعة، ولكن ينجح أخيرا في ضبط إيقاعها وترغيبها في سبل السعادة.
و. أكثر الشاعر من استخدام أسلوب الشرط؛ ليدعم كلامه بالحجة والبرهان وليكون مقنعا، وليبيِّن أن السعادة ليست في المال، ومن أمثلة ذلك قوله:
لوْ كنتَ أنتَ مَعي والنَّاسُ غائِبةٌ = عَنّي لمَا ضَرّْني مَن غابَ أوْ هَجَرا
إنْ كنتَ حوْلي فَكلُّ النَّاسِ حاضِر= حوْلي وإنْ غِبتَ لمْ أشْعُرْ بمَن حَضَرا
وكلُّ أرضٍ بِعيْني إذْ تكونُ مَعي = فيها فتلكَ جِنانٌ تَسْحرُ النَّظَرا
لوْ كانَ في جَنَّةِ الفِرْدوْسِ ليْ نُزُلٌ = ولمْ أجِدْكَ بِها أبْصَرْتُها سَقَرا
إنْ ثارَ لمْ أدْرِ هلْ بيْنَ الضُّلوعِ دَمٌ = أمْ أنَّ ما بيْنَها جمْرٌ قد اسْتَعرا
إنْ لُمْتُ غيْري فما لوْمي بمَوْضعِهِ = ألسْتُ مَن عزَمَ التِّرْحالَ والسَّفَرا
لاشيءَ تحْويهِ يُرْضيها ولوْ حُسِدَتْ = فيهِ تَمُدُّ إلى أقْصى المُنى النَّظَرا
والمالُ سَيْفُ الفتى إنْ سَلّهُ خَضَعتْ = لهُ الرِّقابُ ولبَّتْ كُلَّ ما أمَرا
والمالُ أفْصحُ مبْعوثٍ إلى غَرَضٍ = ما عادَ إنْ راحَ إلا عادَ مُنْتَصِرا
والمالُ كالكَوْكبِ الدُّريِّ إنْ لمَعَت= أنْوارُهُ كَشفَتْ ما كانَ مُسْتَتِرا
إنَّ السَّعادةَ في قُرْبِ الحَبيبِ وهلْ = زَهْرٌ يَرِفُّ إذا لمْ يرْشِف المَطَرا
كمْ مِن غَنيٍّ تَمنَّى أنْ يُحِسَّ بها = ولوْ غَدا مُعْدَماً لِلمالِ مُفْتَقِرا
إنَّ السَّعادةَ في ظِلِّ الحَبيبِ فإنْ = وَلّى تَوَلتْ فلمْ نَلحَظْ لها أثَرا
ز. سخّر الشاعر اللغة الواقعية الحية التي لا تحتاج إلى معاجم أو قواميس دون أن ينقصها الإيحاء؛ وهي مشحونة بالعواطف الجياشة، ملائمة للموقف ومتناسقة مع الإحساس،واتكأ في كثير من الألفاظ على معجم العذريين وهو يتمنى ويتذكر المحبوبة ولياليه السعيدة في ظلها .
ح. المصـاحبـات اللغـويــة، ومعناها : ميل الألفاظ إلى اصطحاب ألفاظ أخرى، لارتباط بعضها ببعض، أو لأنها من محيط لغوي واحد، مثــل:"قارون" و "فرعون" وفي مثل: "الياقوت" و"الدرر" لينشأ منه إيقاع موسيقي داخلي.
ط. هناك بعض العيب في تكرار بعض نفس كلمات القافية، في نحو:
كُنّا نُحَلّقُ في دُنيا يُزَيّنُها = كَفُّ الجَمالِ بثوْبٍ يَخْلبُ البَصَرا
يا مَن أفَتِّحُ عيْني في الصَّباحِ على = أطْيافِهِ وعَليْها أغْلِقُ البَصَرا
وفي مثل:
فكلُّ شَرٍّ أرَى مِن خَلفِهِ أثَراً = لِلمالِ لوْلاهُ لمْ نُبْصرْ لهُ أثَرا
إنَّ السَّعادةَ في ظِلِّ الحَبيبِ فإنْ = وَلّى تَوَلتْ فلمْ نَلحَظْ لها أثَرا
3. الأساليب الخبرية والإنشائية
أكثر الشاعر في قصيدته من أسلوب التمني، والتمني: طَلَبُ أمْرٍ مَحْبُوبٍ يمتنع حُصُولُه امتناعا تامًّا أو شبه تامٍّ، إمَّا لِكَونِهِ مُسْتَحِيلاً، وإِمَّا لكونه مُمكِناً لا يُطْمَعُ تَحْصيلُهُ.وهو من الإنشاء الطّلبيّ. وأداته الرئيسة (ليت) والغرض البلاغي هو إبراز المرجو في صورة المستحيل مبالغة في بعد نيله، والمرجو هنا:"ما بضلوع الشاعر، وما فيه من هوى وعشق في الأيام الخوالي وأيام الصبا"، كما في مثل: (يا ليتَ ما بضلوعي يَغْتدي حَجَرا) وفي مثل:
(وليتَهُ مَا هَوى يوْماً ولا شَعَرا) و (وليْتَ مَن عَشِقَتْ رُوحي أحَسَّ)
(وليْتَ أيَّامَنا في الصَّفْوِ ما ذَهَبتْ) و (وليْتَ رَوْضَ الصِّبا لازالَ مرْتعَنا)
وفي مثل: (وليْتَنا بَعْدَهُ لمْ نَعْرف الكِبَرا) و (وليْتَ أنوارَ هذا الشَّيْبِ ما سَطَعَتْ) وكما في نحو: (وليْتَ تَمْلِكُ مِن دهْري أعِنَّتَهُ).
كما استخدم الشاعر أداة التمني (هل): (هَل الليالي التي وَلّتْ تَعودُ لنا) و (وهَل يَعودُ لنا الماضي الذي عَبَرا).والغرض في (هل) هو إبراز المتمني" الليالي" و"الماضي" في صورة الممكن لكمال العناية به والتشويق إليه؛ لأن الشاعر أبرزه في صورة الممنوع.
كما استخدم أسلوب التمني وأداته "لو" لغرض الإشعار بعزة المتمنى (الحبيب) وندرته.
وقد استخدم الشاعر أسلوب النداء لغرض بلاغي وهو التحسر على الحبيب وأيام عشقه، فيقول:
يا مَن أفَتِّحُ عيْني في الصَّباحِ على = أطْيافِهِ وعَليْها أغْلِقُ البَصَرا
وكذلك في ندائه للدهر:
يا دهْرُ جُدْ مَرَّةً في العُمْرِ لوْ خَطأً
وقد استخدم أداة النداء"يا" التي للبعيد في مناداته لنفسه القريبة بغرض التحقير مما تطلبه من غنى مناف للسعادة، في قوله:
وقُلتُ للنَّفْسِ في سِرّي أخاطِبُها = يا نَفْسُ ويْحَكِ وهْمٌ كلُّ ما ذُكِرا
جاء خطاب النفس هنا على سبيل نجوى الذات وفيه زجر أيضا، كما أن صيغة "ويحك" ومن المعروف أن حرف النداء "يا" يستخدم لمخاطبة العاقل، ولكن الشاعر شخص النفس بصورة إنسان يسمع ويعقل، وهذا من أساليب الانزياح، ويرى بعض النقاد الأسلوبيين أن الانحراف من أهم الظواهر التي يمتاز بها الأسلوب الشعري عن غيره، لأنه عنصر يميز اللغة الشعرية، ويمنحها خصوصيتها وتوهجها وألقها، ويجعلها لغة خاصة تختلف عن اللغة العادية، وذلك بما للانحراف من تأثير جمالي، وبعد إيحائي.
وقد استخدم أسلوب الأمر؛ ليفيد التمني، كما في قوله:
يا دهْرُ جُدْ مَرَّةً في العُمْرِ لوْ خَطأً = وهَبْ سَبيلا لما نَرْجوهُ مختصرا
واستخدم أسلوب الاستفهام لغرض بلاغي يفيد التقرير، كما في قوله:
(ألسْتُ مَن عزَمَ التِّرْحالَ والسَّفَرا)
كما استخدمه ليفيد التمني:
وهلْ تَجودُ الليالي بالوِصَالِ فقَدْ = أصْبَحْتُ أخْشى الرَّدى باليَأسِ مُنْتَحِرا
القصر:
كما في مثل:
والمالُ أفْصحُ مبْعوثٍ إلى غَرَضٍ = ما عادَ إنْ راحَ إلا عادَ مُنْتَصِرا
وهو قصر صفة على موصوف، كما استخدم أسلوب الحوار مع النفس بهدف التقرب منها وثنيها عن أحلامها بالمال وبث همومه إليها.
كما ستخدم الشاعر الأسلوب الخبري ؛ليناسب الغرض، وهو رفضه لأهواء النفس وتطلعها للمال وحبها له، وخوفه من المستقبل وتشاؤمه من حكم الناس وتقديرهم للغني رغم قبيح أفعاله؛ وليظهر الحزن والأسى من واقع مجتمع يجّل الغني لغناه ولا يهتم للمثل والقيم الرفيعة، ولا يحترم القناعة.
4. التناص
وتعريفه: يرى ميخائيل باختن أن التّناص: تداخل السياقات ووجود علاقة بين نص قديم وآخر جديد، وترى جوليا كرستيفا أن التّناص: لوحة فسيفسائية من الاقتباسات, وكل نص هو تشرُّب وتحويل لنصوص أخرى، ولقد وظّف شاعرنا سعيد يعقوب في نصه الأدبي النصوص التراثية الإنسانية التي تغني تجربته الشعورية وتوفر له طاقات إيحائية واسعة، والتناص أنواع ، ومنه التناص الأدبي، يقول شاعرنا، سعيد يعقوب:
يا ليتَ ما بضلوعي يَغْتدي حَجَرا = وليتَهُ مَا هَوى يوْماً ولا شَعَرا
وهذا يذكرنا بقول محمود درويش في ديوانه "أثر الفراشة":
ليتني حجر
لا أَحنُّ إلى أيِّ شيءٍ
فلا أَمس يمضي , ولا الغَدُ يأتي
ولا حاضري يتقدِّمُ أَو يتراجَعُ
لا شيء يحدث لي !
ليتني حَجَرٌ ـ قُلْتُ ـ يا ليتني
حَجَرٌ ما ليصقُلَني الماءُ
أَخضرُّ ، أَصفَرُّ ... أُوضَعُ في حُجْرَة
مثلَ مَنْحُوتةٍ ، أَو تماريـنَ في النحت...
أو مادَّةً لانبثاق الضروريِّ
من عبث اللا ضروريّ ...
يا ليتني حجرٌ
كي أَحنَّ إلي أيِّ شيء !
ونتذكر شاعرا سبقهما الشاب الظريف، وهو يقول:
يبيتُ قلبي عليه حرقة ً وجَوى = ًوَقَلْبُهُ بارِدٌ مِنْ لَوْعَتِي شَبِمُ
ظَلِلْتُ فِيهِ وأَمْسَى قَلْبُهُ حَجَراً = لَمْ يَشْفِ قَطّ مُحِبّاً شَفَّهُ أَلَمُ
5.المحسِّنات البديعيَّة
أ. الترادف بين كل من " تحدّر" وبين "جرى" في قوله: تَحَدَّرَ الدَّمْعُ مِن تذْكَارِها وَجَرى.وكذلك بين"هوى" و "تعلّق" وبين "الكبر" و "الصعر" في قوله:
(لأذْهِبَ عَنْهُ الكِبْرَ والصَّعَرا) وكذلك بين كل من "الشر" و "الضرر" في قوله:( كَفَّ عنَّا الشرَّ والضَّرَرا) وبين كل من "لهو" و "متع" في قوله: (كأنَّما هُوَ مِن لهْوٍ ومِن مُتَعٍ) وكما بين "الشوق" و "الحنين" في قوله:
أيَّامَ لا الشَّوْقُ بالنيرانِ يَحْرقُنا = ولا الحَنينُ يَهيجُ الوَجْدَ والذِّكَرا
وبين :السفر" و "الترحال" في قوله: (ألسْتُ مَن عزَمَ التِّرْحالَ والسَّفَرا)
وبين"الجبن" و "الخور" في قوله: (لِلهَمِّ يزْرعُ فينا الجُبْنَ والخَوَرا) وبين "العين" و "البصر" في قوله:
يا مَن أفَتِّحُ عيْني في الصَّباحِ على = أطْيافِهِ وعَليْها أغْلِقُ البَصَرا
ب. الطباق: فطابق الشاعر بين كل من" الصفو" وبين "الكدر" في قوله:
وليْتَ أيَّامَنا في الصَّفْوِ ما ذَهَبتْ = فقدْ غدَتْ بَعْدَها أيَّامُنا كَدَرا
وطابق بين كل من "الهوى" و "الحب" في قوله"
أيَّامَ كُنَّا كما شَاء الهَوى مرَحاً = نَقْضي مِن الحُبِّ في ظِلِّ الرُّؤَى الوَطَرا
، وبين كل من :" الصبا" و "والكبرا" في قوله:
وليْتَ رَوْضَ الصِّيا لازالَ مرْتعَنا = وليْتَنا بَعْدَهُ لمْ نَعْرف الكِبَرا
وطابق بين كل من "ولّت" و "تعود" في قوله:
(هَل الليالي التي وَلّتْ تَعودُ لنا)،وطابق بين "أفتّح" و "أغلق" في قوله:
يا مَن أفَتِّحُ عيْني في الصَّباحِ على = أطْيافِهِ وعَليْها أغْلِقُ البَصَرا
وبين "غاب" و "هجر" في قوله:(عَنّي لمَا ضَرّْني مَن غابَ أوْ هَجَرا)
وبين"الكشف" و "السر" في قوله:( لِما سَيكْشفُ عن عيْنَيْكِ ما سُتِرا)
كما طابق بين كل من"الإيمان" و "الكفر" في قوله: (أعْلنَ الإيمانَ مَن كَفَرا) وطابق بين"باع" و "شرى": (وباعَ ما باعَ في سوقِ الخنا وشَرى)،
ج. الجناس: فقد جانس بين كل من "أكفكف" وبين :"كفّ" في قوله:
حتَّى أكَفْكِفَ مِن غَلوائِهِ وأرَى = بأنَّهُ كَفَّ عنَّا الشرَّ والضَّرَرا
ومن أبرز خصائص النص، الوحدة العضوية، والوحدة الموضوعية، والصدق الفني.
ثالثا– الوزن والموسيقى
نظَم الشاعر مقطوعته على نمط الشعر العمودي، فاستخدم بحر البسيط وهذا البحر من أهم البحور، وهو من البحور المهمة في الشعر؛ لانبساط الحركات في عروضه وضربه ؛ لذا سمي ببحر البسيط، وتميزت القصيدة بإيقاع عذب لاءم جوها وغرضها، ساعد ذلك القافية والفتحة الطويلة التي تليها، إضافة إلى عنصر الحركة وقد استخدم قافية الراء التي يتلوها صائت طويل، والراء صامت مكرر هو الوحيد بين الصوامت في هذه الميزة، مجهور ذو وضوح سمعي تعززه الفتحة الطويلة التي تليه في الوضوح والمد.
وهناك الإيقاع الداخلي، الناتج عن التصريع والتوازي الصوتي والتكرار الإيقاعي والجمع بين الأصوات المهموسة والأصوات المجهورة. وينسجم هذا الإيقاع الشعري بكامله مع الجو الموسيقي والنفسي والدلالي للقصيدة.
شخصية الكاتب
اتّسمت المعاني والأفكار والصور الفنية التي اتكأ عليها الشاعر بالبساطة والرقة والعذوبة لكنها عميقة في معانيها، واسعة في مدلولاتها، لجأ الشاعر فيها إلى الرمز الجزئي؛ لأنها أكثر إيحاء، إذ يبدو الشاعر من خلالها جيّاش المشاعر رقيق العاطفة، مرهف الإحساس، قلقا ومتألما من واقع يحفل بالمادة والغنى والغني، يقدر القبيح لغناه، وينفر من الإنساني لفقره، وإن ننس لا ننسى أن الشاعر ولد في مادبا عام 1967، وأن والديه قد سلبت أرضهما وفقدا الوطن وضربوا في الأمصار بحثا عن لقمة العيش بشرف، ولا شك أن صاحبنا قد اكتوى بنيران حكم الناس، وكيف يحكمون على الغني الوضيع برفعته لماله، ويتناسون أن السعادة ليست بالمال ولا بالجاه ولا بالسلطان، وشاعرنا مرهف الحس؛ بسبب فقده لوطنه، ولإحساسه بالظلم وزاد من ذلك وعيه وعلمه ونبوغه، ويرى بأم عينه التناقضات، وعبادة المادة وابتعاد الناس عن القيم والمثل العليا، وتهتك النسيج الاجتماعي، وله ثمانية دواوين شعرية آخرها رعود وورود الذي صدر هذا العام، حصل على العديد من الجوائز الأردنية والعربية.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


جميلة جدااااااااااااا